مجمع البحوث الاسلامية
790
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
« التّقصير » . كما جاء في « كنز العرفان » حديث رواه ابن عبّاس في تفسير هذه الآية : « القصد إنجاز مشاعر الحجّ كلّها » إلّا أنّه لا سند لدينا لحديث ابن عبّاس هذا . والّذي يلفت النّظر في حديث الإمام الصّادق عليه السّلام أنّه فسّر عبارة لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ بلقاء الإمام ، وعندما سأله الرّاوي عبد اللّه بن سنان عن توضيح لهذه المسألة قال : « إنّ للقرآن ظاهرا وباطنا » . وهذا الحديث يمكن أن يكون إشارة إلى ملاحظة تستحقّ الاهتمام ، هي أنّ حجّاج بيت اللّه الحرام يتطهّرون عقب مناسك الحجّ ليزيلوا الأوساخ عن أبدانهم ؛ فعليهم أن يطهّروا أرواحهم ، وذلك بالالتقاء مع الإمام عليه السّلام ، خاصّة أنّ عصورا مرّت ولا يجيز فيها الخلفاء الجبابرة لقاء المسلمين بإمامهم في الظّروف العادية . لهذا تكون أيّام الحجّ خير فرصة للقاء الإمام ، وبهذا المعنى نقرأ حديثا للإمام الباقر عليه السّلام قال فيه : « تمام الحجّ لقاء الإمام » . وكلاهما في الحقيقة تطهير ، أحدهما تطهير لظاهر البدن من القذارة والأوساخ ، والآخر تطهير باطنيّ من الجهل والمفاسد الأخلاقيّة . ( 10 : 299 ) الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : التّفث ، أي الوسخ ، يقال : تفث الرّجل يتفث تفثا ، أي كثر وسخه ، فهو تفث . ويقال لمن يستقذر : ما أتفثك ! أي ما أوسخك وأقذرك ! وفي الحديث : « فتفثت الدّماء مكانه » أي لطخته . وقد تجوّز فيه بعضهم ، فأطلقه على إذهاب الوسخ وإزالته ، وهذا المعنى - كما يبدو - منتزع من السّياق القرآنيّ ، والمقصود في الآية ما يفعل عند الخروج من الإحرام ، مثل : تقليم الأظفار ، والأخذ من اللّحية والشّارب ، وحلق الرّأس والعانة ، وغير ذلك . 2 - لم تجتمع « التّاء » و « الفاء » و « الثّاء » إلّا في هذه المادّة ، وهو الغالب على الحروف المهموسة العشرة ، فهي قليلة الاستعمال مجتمعة في مظانّها . أمّا سائر هذه الحروف فهي : الحاء والخاء والسّين والشّين والصّاد والكاف والهاء ، وكلّها رخوة الهمس ، إلّا التّاء والكاف ، فإنّهما شديدا الهمس . 3 - وليس التّفث مستهجنا معنى فحسب ، بل هو مستهجن لفظا كذلك ؛ إذ لا يكاد يستسيغ الفم أحرفه الثّلاثة ، فلم يضمّها جوفه ، لأنّ مخرجها جميعا بين الثّنايا العليا وطرف اللّسان ، كما في التّاء والثّاء ، أو بينها وبين الشّفة العليا ، كما في الفاء . كما أنّ مجيء التّفث على وزن « فعل » ينبئ عن هذا المعنى أيضا ، فقد وردت أغلب نظائره في اللّغة بهذا الوزن ، مثل : الوسخ والقذر والكدر والوضر والنّجس والطّفس والدّرن والكتن والقلح والوذح والطّبع والقشف والقضض والقذى وغيرها . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الحجّ : 29